أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

40

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

الزاهد في الدنيا ، فالتفت إليه الشيخ رضي اللّه عنه وقال له : يا هذا ثيابك هذه ثياب الرغبة في الدنيا لأنها تنادي بلسان السعية والفقرة وثيابنا تنادي بلسان الغنى والتعفف ، قال : فقام الفقير على رؤوس الناس فقال : أنا واللّه المتكلم بهذا في سري يا سيدي ، وأنا أستغفر اللّه وأتوب إليه ، قال : فأمرني الشيخ أن أكتسي كسوة طيبة ، ودله على أستاذ جيد يقال له ابن الدهان ، وقال له : عطف اللّه عليك قلوب الأخيار ، وبارك لك فيما آتاك ، وختم لك بخير . وحدثني من أثق به قال : سمعت الشيخ الصالح أبا مروان عبد الملك بن السماط يقول : لما توجهت إلى الديار المصرية دخلت الإسكندرية ، فقصدت الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه ، فوجدته جالسا معه جماعة من الناس وكأنه يناظرهم في علم ، فسلمت عليه وجلست بين يديه ، فقال لي : ما اسمك ؟ ومن أين أقبلت ؟ وأي شيء تتحدث فيه ؟ فعرفته باسمي واسم والدي وأن سعيي كتاب اللّه تعالى ؛ فقال لي : اقرأ علي شيئا من كتاب اللّه عزّ وجل فتعوذت ثم أنطق اللّه على لساني أن قلت : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) [ النّمل : 79 ] إلى قوله تعالى : وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ ( 85 ) [ النّمل : 85 ] قال : فتهلل وجه الشيخ رضي اللّه عنه ثم التفت إلى الحاضرين وقال : أبعد بيان اللّه ورسوله شيء ؟ فعرفت أنهم من المعتزلة ، وعلمت أن الشيخ كان يناظرهم في مذهبهم ، فتابوا على يديه ورجعوا إلى الحق والسنة ، فقال الشيخ رضي اللّه عنه : اطلب مني ما تحب ، فقلت : أطلب ثلاثة أشياء : تكسوني كسوة جديدة ، وتدلني على من أجود عليه كتاب اللّه ، وتدعو لي بخير ، قال : فكساني كسوة جديدة ، ودلني على أستاذ جيد يقال له ابن الدهان ، وقال لي : عطف اللّه عليك قلوب الأخيار وبارك لك فيما أعطاك وختم لك بالسعادة ، فو اللّه لقد رأيت الدعوتين وأرجو اللّه في الثالثة . وحدثني من أثق به قال : كان ممن أحبه وأعتقده بمدينة تونس الفقيهان الجليلان الفاضلان ابن سودان وابن الرماح ، فكان أحدهما كاتبا للقاضي ابن نفيس بن زيد قاضي الجماعة ولا يزال بين يديه ، وكان الآخر يشهد بمخزن الطعام وهو مخزن السقاطين ، فلما توجه الشيخ رضي اللّه عنه إلى بلاد المشرق وهي السفرة الثالثة التي لم يرجع منها ، قال أحدهما لصاحبه : كيف نعمل ؟ إن خرجنا نشيعه يتعطل علينا ما هو منوط بنا ، وإن أقمنا عدمنا الفضل والبركة . قال : ثم إنا أجمعنا على الخروج معه ونترك الأسباب ، قال : فخرجنا صحبته إلى رادس فبينما نحن جلوس معه وإذا برجل داخل عليه للخباء وهو يطالبه بمال لبعض التجار ، فقال : ما خرجنا حتى قضيناه ماله ،